الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
51
مختصر الامثل
فئة المعوّقين : أشارت هذه الآيات إلى وضع فئة أخرى من المنافقين الذين اعتزلوا حرب الأحزاب ، وكانوا يدعون الآخرين أيضاً إلى اعتزال القتال ، فقالت : « قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا » . « المعوّقين » : من مادة « عوق » على زنة ( شوق ) تعني منع الشيء ومحاولة صرف الآخرين عنه ؛ و « البأس » : في الأصل يعني ( الشدّة ) ، والمراد منه هنا الحرب . وتضيف الآية التالية : إنّ الدافع لكل تلك العراقيل التي وضعوها أمامكم هو أنّهم بخلاء : « أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ » « 1 » . لا في بذل الأرواح في ساحة الحرب ، بل هم بخلاء حتى في المعونات الماديّة لتهيئة مستلزمات الحرب ، وفي المعونة البدنية في حفر الخندق ، بل ويبخلون حتى في المساعدة الفكرية ، بخلًا يقترن بالحرص المتزايد يومياً . وبعد تبيان بخل هؤلاء وامتناعهم عن أيّ نوع من المساعدة والإيثار ، تتطرق الآية إلى بيان صفات أخرى لهم ، والتي لها صفة العموم في كل المنافقين ، وفي كل العصور والقرون ، فتقول : « فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ » . فلأنّهم لما لم يذوقوا طعم الإيمان الحقيقي ، ولم يستندوا إلى عماد قوي في الحياة ، فإنّهم يفقدون السيطرة على أنفسهم تماماً عندما يواجهون حادثاً صعباً ومأزقاً حرجاً ، وكأنّهم يواجهون الموت . ثم تضيف الآية : « فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ » . فيأتون إليكم كأنّهم هم الفاتحون الأصليون والمتحمّلون أعباء الحرب ، فيعربدون ويطلبون سهمهم من الغنائم ، وهم كانوا أبخل من الجميع في المشاركة في الحرب والثبات فيها . « سلقوكم » : من مادة « سَلْق » ، وهي في الأصل بمعنى فتح الشيء بعصبية وغضب ، سواء كان هذا الفتح باليد أو اللسان ، وهذا التعبير يستعمل في شأن من يطلب الشيء بالزجر وأسلوب الأمر ؛ و « الألسنة الحداد » تعني الألسنة الجارحة المؤذية ، وهي هنا كناية عن الخشونة في الكلام . وتشير الآية في النهاية إلى آخر صفة لهؤلاء ، والتي هي أساس كل شقائهم وتعاستهم ، فقالت : « أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أعْمَالَهُمْ » . لأنّها لم تكن منبعثة عن الإخلاص والدافع الديني الإلهي : « وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا » .
--> ( 1 ) « أشحّة » : جمع شحيح ، من مادة ( الشحّ ) ، أي البخل المقترن بالحرص .